عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
189
معارج التفكر ودقائق التدبر
بياناته ، وقول حملة دعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من أمّته ، ويستمعون أقوال المشركين ، وزخرف أقوال الكفرة المضلّلين من شياطين الإنس ، فيوازنون بين الأقوال ، وقد تغرّهم أحيانا أقوال المضلّين الزّخرفيّة ، فيجدون في أصباغها وألوانها وما فيها من صناعة توهم بأنّها حقّ ، بعض الحسن في بعض القضايا الّتي هي من الفروع لا من الأصول ، لكنّهم إذا قارنوها بما جاء في دين اللّه ، ونظروا إليها بمنظار الحقّ والتّجربة وجدوا أنّ ما جاء في بيانات دين اللّه أحسن منها . فهم لا يرفضون استماع الأقوال ابتداء ، بل يستمعون إليها ، فينبذون ما يظهر لهم أنّه باطل ، وهي الأصول الّتي يبني عليها الكافرون أبنيتهم الفكريّة التّنظيميّة لشؤون الحياة ، ثمّ بالبحث والتّأمّل يرون أنّ أحكام دين اللّه لعباده هي أحسن الأحكام وأفضلها ، لمراعاة حقوق النّاس ، وإقامة العدل ، وتنظيم حياتهم تنظيما فيه طيب عيشهم ومرضاة ربّهم . ومن هنا يتحقّق فيهم أنّهم يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ، أي : فينبذون ما يرونه باطلا ، ويتّبعون ما يرونه هو الأحسن ، وعندئذ يجدون أنفسهم ملتزمين دين اللّه التزاما كاملا في أصوله الّتي هي الحقّ ، وفي فروعه الّتي هي الأحسن . وبناء على ما سبق قال اللّه تعالى بشأنهم : * . . أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 18 ) : أي : أولئك رفيعو المنزلة والمكانة العالية عند ربّهم حكم اللّه عزّ وجلّ بهدايتهم ، لاستخدامهم عقولهم فيما خلقت له ، فأدركوا الحقّ والخير والأحسن فاتّبعوه ، وأعانهم على متابعة خطواتهم في صراط الهداية ، إذ لم تخدعهم زخارف أقوال المضلّين ، وأولئك أيضا هم ألوا الألباب ، أي : هم أصحاب العقول الحصيفة النظيفة .